بحوث الاجتماعيات

 

 ساعة الجسد

 يختبر كل شخص يسافر جوا عبر عدة قطاعات زمنية في يوم واحد ما يعرف بساعة الجسد قد تبلغنا الشمس أن الساعة هي السادسة بعد الظهر ، لكن الجسد قد لا يوافق على ذلك مصرا بأن الوقت هو منتصف الليل وبالتالي هو وقت النوم ، هذا الارتباك الذي يعرف بالتكؤ الجوي ناتج عن تشوش مؤقت يحصل نتيجة لما يعرف بساعة الجسد .

 وإذا تركت ساعة الجسد دون تدخل فإنها تكمل دورتها على مدى فترة تقارب 24 ساعة ولذلك سميت بالتواتر ( أو التكرار النظامي ) التقريبي للنهار circadian rhythm في هذه الحالة تنطلق الساعة الجسدية بفعل نشاط الخلايا العصبية المكونة لها ، وفي الأحوال العادية قد لا نشعر في حياتنا اليومية بعمل هذه الساعة لأنها موجهة بالعناصر الزمنية الكامنة في البيئة حولنا والتي تعمل على تحقيق التزامن في دورة ساعة الجسد وفقا لدورة الشمس خلال النهار .

 لكن ضوء النهار هو واحد فقط من كثير من العناصر المذكورة حيث يمكن مثلا لدورة النوم المنتظمة أو دورة النشاط الجسدي المنتظم أن تؤثر في عمل ساعة الجسد وبالتالي في أوقات تناولنا للطعام مثلا وفي نشاطاتنا الاجتماعية والعمل وفي أوقات تعرضنا لضوء النهار .

 ولقد عرف منذ زمن بعيد أن التغيرات الموسمية في المدة الزمنية للنهار تؤثر في التواتر النظامي البيولوجي للحيوانات ولقد عرفنا مؤخرا ما تم تعريفه بالاعتلال العاطفي الموسمى Seasonal Affective Disorder SAD عند البشر والذي هو شكل معتدل من الكآبة المتصلة عادة وبشكل طبيعي بأشهر الشتاء ، ولقد تأكد العلماء اليوم أن هذه الحالة ناتجة عن تجارب التواتر التقريبي للنهار او ساعة الجسد مع ضوء النهار أو نور الشمس ومع النقص في هذا الضوء أو النور .

 ولساعة الجسد ونظامها جزءان تكوينيان أساسيان يتحكم الوطاء ( تحت السرير البصري ) في الدماغ hypothalamus بواحد منهما ، هذا الوطاء هو منطقة في الدماغ تقع تحت المخ ويعمل على ضبط النشاط الإيقاعي الاتزاني والتوازن الوظيفي داخل الجسد بما فيه التوازن المائي وحرارة الجسد ويعمل الوطاء أيضا على إنتاج هورمونات الغدة النخامية ويتحكم بذلك الجزء من الجهاز العصبي الذي يضبط العضلات اللاإرادية أوالتي تتحرك بشكل غير إرادي وعند الأشخاص الطبيعيين يتم التعيير التزامني لأجزاء ساعة الجسد بما يتوافق مع دورة الشمس ، لكن هذا التغيير يفقد في أحد جزئي ساعة الجسد عند الأشخاص المصابين بالاكتئاب أو بمرض الهوس الاكتئابي .

 ويعمل جزء واحد من ساعة الجسد على ضبط توقيت دورة النوم واليقظة مع ضبط مستويات هورمونات النمو ومواد أخرى .

 أما الجزء الثاني فيعمل على ضبط حرارة الجسد وحركة العين خلال النوم وفترة الأحلام ، وهذا هو الجزء الذي يحصل فيه التشوش نتيجة السفر جوا عبر عدة مناطق زمنية في نهار واحد كما ويحصل فيه الخلل عند الأشخاص المصابين بمرض الهوس الاكتئابي ولقد تمكن علماء النفس من مقارنة إيقاع ساعة الجسد عند الشخص المكتئب والإيقاع ذاته عند المسافر جوا عبر عدة مناطق زمنية ، هنا يتحول برنامج النوم عند المسافر إلى المنطقة الزمنية الجديدة ويذهب المسافر إلى فراش النوم متأخرا عن الوقت العادي بحيث يحصل اضطراب في حركة العين خلال النوم يكون مطابقا لفترة الأحلام ويصاحبه اضطراب عدة أيام .

 ولقد أجرى بعض العلماء مؤخرا بعض الاختبارات على مرضى الكتئاب والذين تم تقديم فترة نومهم إلى الأمام بنسبة ست ساعات فكانت النتيجة انخفاض في درجة الكآبة والاحتفاظ بمزاج نفسي عادي على مدى ثلاثة أسابيع قبل تعودهم على التوقيت الجديد ، وبالتالي استنتج الباحثون نظرية تقول بأن مرضى الاكتئاب فائقو الحساسية للضوء ، ويتم بث أو نقل هذه الحساسية بواسطة جزء من العصب البصري إلى منطقة الوطاء ( تحت السرير البصري ) في الدماغ الذي يؤثر بدوره في ساعة الجسد أو الإيقاع الزمني لهذا الجسد .

 لكن ما يزال محيرا لنا هو كيفية انطلاق هذه الساعة رغم أن بعض النظريات تقترح بأن هذا الانطلاق يحصل بفعل أحد الهورمونات الذي يطلق بدوره بفعل استقبال الضوء عبر العصب البصري إلى نوى التصالب البصري suprachiasmatic nuclei التي هي أعمق منطقة في الوطاء هذه النوى تقع في قاعدة الدماغ قرب الجهاز البصرى وتعمل كمتقبلات لهورمون ميلاتونين المتصل أو المرتبط وظيفيا بعمل ساعة الجسد .


©2003 Web Design by Deepeye Web Solutions