بحوث الفـلك

 

 مضاد المادة Antimatter

 في الساعة السابعة من صباح 30 يونيو / حزيران سنة 1908 دهش المسافرين على القطار السريع الذي يعبر سيبيريا لسماع ضجة فوقهم ، وعند النظر إلى الأعلى شاهد هؤلاء جسما متوهجا يعبر السماء بسرعة من الاتجاه الجنوبي الغربي إلى الاتجاه الشمالي الشرقي ، وبعد لحظات أضيئت السماء الشمالية بتوهج ضوئي حاد ، ومرت عدة دقائق ثم اهتز القطار السريع بموجات صدم قوية ، وظهر في الاتجاه الشمالي الشرقي ما بعد الأفق عمودا من الدخان يتعالى في السماء .

 وكان هؤلاء المسافرين سيدهشون أكثر وربما يرتعبون لو عرفوا أن التوهج البراق وسحابة الدخان الناتجان عنه حصلا على بعد 560 كيلومترا عنهم ، وعلى بعد 190 كيلومترا من الانفجار كان التوهج الضوئي قويا للغاية بحيث تفوق على ضوء الشمس ومدد ظلاله على الأرض مسببا الخوف للإنسان والحيوان على السواء .

 وربما تكون أفضل رواية لشاهد عيان للحادثة من جانب مزارع روسي اسمه سيميونوف الذي يقطن على بعد 60 كيلومترا من الانفجار الضوئي والذين كان قد غادر منزله للتو عندما حصل التوهج الضوئي الهائل عبر السماء .

 وقد قال هذا المزارع : ( لم يتح لي الوقت لإخفاء عيوني بيدي قبل اختفاء التوهج الضوئي وما حصل هو ظلام قصير تلاه الانفجار الضوئي بعد عدة دقائق ، ولقد دفعني الانفجار الضوئي إلى الخلف باتجاه منزلي ورماني على الأرض ، وكانت الحرارة قوية وشعرت كما لو أن الأرض قد قامت وسقطت مثل موج البحر ) .

 ولايزال غير واضح حتى اليوم عما إذا كان هناك أشخاص آخرون قد خبروا الانفجار في مناطق قريبة منه ووصفوه وقد راجت شائعات بأن قريتين قد أزيلتا من الوجود .

 ولقد تم تسجيل موجة الصدم الناتجة عن الانفجار الضوئي في وسط سيبيريا في مرسمات الزلازل في كل أنحاء العالم ، وبالإضافة إلى ذلك أشعت السماء فوق كامل أوروبا بوهج مضيء غريب على مدى ليلتين بعد الانفجار حيث كانت الشمس تطلع وتغيب ضمن قوس قزح من الألوان الحية .

 ولقد ظلت طبيعة الانفجار الذي حصل في سيبيريا في سنة 1908 والذي سبب ضررا هائلا للغاية المحيطة بمنطقة الانفجار موضع جدل ونقاش منذ ذلك الوقت حيث تراوحت النظريات بين عزو الانفجار إلى أحد الكويكبات أو أحد المذنبات او إلى مركبة فضائية غريبة عن الأرض ، لكن إحدى النظريات التي ظهرت مؤخرا مثيرة للاهتمام لأنها تطرح موضوع الحدود التي يقف عندها العلم ، وهذا الموضوع متعلق بمضاد المادة antimatter .

 في سنة 1982 اقترح الفيزيائي البريطاني بول ديراك ضرورة وجود نظير للمادة يسمى بمضاد المادة ولقد عمل هذا الفيزيائي على دراسة جزيء فرع الذرة الذي هو الإلكترون الذي له شحنة كهربائية سالبة وقرر أنه لا بد أن يكون لهذا الالكتروني جزيء مقابل له شحنة كهربائية واجبه ولقد تبين أن هذا الاستنتاج صحيح ففي سنة 1932 تم اكتشاف مضاد الإلكترون antielectron من جانب الفيزيائي الأميركي كارل أندرسون وكان لهذا الجزيء الجديد الكتلة ذاتها ومقدار الشحنة ذاتها للالكترون لكنها شحنة واجبة ، وسمي هذا الجزيء بوزيترون positron .

 ونحن نعرف اليوم أنه لكل نوع من الجزئيات الذرية يوجد جزيء مضاد ، وحيث أن المادة مكونة من جزئيات أساسية فإن الجزئيات المضادة هي البنية الأساسية لمضاد المادة والتي يمكن تكوينها في مسرعات خاصة بالجزئيات .

 ومشكلة المادة ومضاد المادة هي أنه لدى اتصالهما يعملان على إبادة بعضهما البعض في انفجار هائل للطاقة ووفقا لإحدى النظريات فإن الكون بأكمله مليء بما يسمى بالجزئيات الافتراضية التي تنوجد بشكل عفوي على شكل جزئيات من المادة ومضاد المادة وبحيث تلغي بعضها البعض بشكل فوري ، لكن لنفترض ظهور بعض مضاد المادة التي لم يتم الغاؤها لسبب ما ولنفترض أنها تكونت في الغلاف الجوي للأرض ، عندها تكون النتيجة انفجارا كارثيا ولا بد أن يكون الانفجار الذي حصل في سيبيريا من هذا النوع وبحجم حوالي 20 ميغاطن .

 لكن هذا الاستنتاج يبقى في الإطار النظري ومع ذلك فهو استنتاج جيد في غياب أي براهين ملموسة تثبت العكس .


©2003 Web Design by Deepeye Web Solutions