بحوث الفـلك

 

 الإشعاعات الكونية Cosmic Rays

عند قراءتك لهذه الجملة يكون حوالي 50 اشعاع كوني قد مر عبر رأسك وهذا ما يحصل لنا كل الوقت في سنة 1912 عمل الفيزيائي النمساوي فيكتور هس على قياس مستويات الاشعاع بمساعدة أدوات بدائية تسمى جهاز الالكترومتر ( مقياس فرق الجهد الكهربائي الاستاتي ) . ولقد وجد هذا الفيزيائي أن مستوى الاشعاع بعد هبوطه لمرحلة أولية مع صعود المنطاد عاد للارتفاع ثانية مع تزايد / صعود المنطاد ذاته ، وبعد تفكير استنتج هذا العالم أن العلماء بحاجة للعودة إلى اقتراحات جديدة تشمل افتراض وجود مادة مجهولة حتى اليوم على ارتفاعات معينة فوق سطح الأرض أو افتراض وجود مصدر غير أرضي للإشعاع النافذ كان هذا القول جزيئا في ذلك الوقت وعلى مدى سنوات عدة انكر العلماء نظرية أي اشعاعات تنفذ أو تخترق الغلاف الجوي للأرض من الكون واعتبروها دون معنى ، لكن بعد ربع قرن منح هس جائزة نوبل لهذا الاكتشاف .

 ولقد سمى هس هذه المادة النافذة بالاشعاع الكوني ورغم أن الدراسات اللاحقة أظهرت أن معظم الاشعاعات الكونية التي تخترق الغلاف الجوي للأرض هي في الحقيقة جزئيات مكونة من نويات ذرية والكترونات .

 أما اليوم فنحن نعرف أن الاشعاع الكوني مكون بفعل تيارات من جزئيات فائقة الطاقة قادمة من الفضاء الخارجي ومكونة من البروتونات جزئيات ألفا ونويات ضوئية تتصادم مع نوبات ذرية في الغلاف الجوي للأرض لانتاج جزئيات نووية ثانوية ( تقصف ) الأرض على شكل رذاذ متواصل ، هذه الجزئيات هي أساسا جزئيات دون الذرية غير مستقرة تسمى الميزونات mesons ومكونة من جزئيتين أوليتين غير قابلتين للانقسام تسمى كوارك .

 وتشكل البروتونات التي هي جزئيات دون ذرية مشحونة بشحنات واجبه ومكونة لكل نويات كل الذرات أي حوالي 85 بالمئة من الاشعاع الكوني الذي يصل إلى الغلاف الجوي للأرض والباقي مكون من جزئيات ألفا ونويات الضوء ، وتتباين كثافة هذه البروتونات بين 30 و 75 جزيء في كل بوصة مكعبة في الثانية ، ولأن الجزئيات الأولية مشحونة كهربائيا تعتمد حدتها في مكان محدد على قوة الحقل المغناطيسي للأرض في ذلك المكان .

 والعثور على مصدر للاشعاعات الكونية طرح مشاكل كثيرة على فيزيائيي الفضاء ، فعلماء الفضاء الذين يدرسون الموجات اللاسلكية والموجات الضوئية مثلا يتعاملون مع الاشعاع الكهرومغنطيسي الذي يسير في خط مستقيم بحيث أنه من السهل تحديد موقع مصدرها لكن هذا ما لا يحصل مع الاشعاعات الكونية لأنها مشحونة كهربائيا وبالتالي تتأثر جزئياتها بالحقل المغناطيسي الواقع بين النجوم ونتيجة لذلك فإن هذه الجزئيات تتبع مسارات صعبة جدا حتى تصل إلى الأرض بالحدة ذاتها من كل الاتجاهات بالإضافة إلى ذلك فإن الجزئيات الكونية ضعيفة الطاقة حيث تتأثر بالتيار الثابت للجزئيات والحقل المغناطيسي القادمين من الشمس بواسطة الرياح الشمسية .

 ويبدو أن مفتاح المسألة يمكن في دراسة اشعاعات غاما التي هي عبارة عن كمات quanta من الاشعاع الكهرومغنطيسي مشابهة في طبيعتها لاشعاعات اكس ( X) ولكن بموجات طولية أقصر ويتم انتاجها بواسطة جزئيات الاشعاع الكوني لدى ارتطامها بذرات غاز الهيدروجين الواقع بين النجوم ولا تتأثر اشعاعات غاما بالحقول المغنطيسية في الفضاء وبالتالي فهي تشير مباشرة إلى أصولها وببساطة نقول ان الفائض من اشعاعات غاما في نقطة محددة في المجرة هو برهان جيد بأن الاشعاعات الكونية قادمة من تلك النقطة .

 وإذا أخذنا كل البراهين في الحسبان عندها يبدو أن معظم الاشعاعات الكونية منخفضة الطاقة تنشأ في بقايا النجوم المتفجرة ، وإذا تم تسريع هذه الاشعاعات بفعل موجات صارمة فإنها تبقى منحبسة داخل تلك البقايا لمئات ألوف السنين ثم تتسرب منها لتتبدد عبر المجرة اما الجزئيات عالية الطاقة فربما تنشأ في النجوم النيوترونية كما حصل في أحد جزئي نظام النجوم الثنائي او المزدوج سيغنوس Cygnus X - 3 الذي يبعد عن الأرض 35 ألف سنة ضوئية وهو مصدر رئيسي لاشعاعات اكس ( X ) .

 وهنالك عدة أجسام فضائية قليلة فقط مثل نظام سيغنوس في المجرة تكون كافية لانتاج كل الاشعاعات الكونية عالية الطاقة .

 يبدو أن والجزئيات التي لديها طاقة أعلى أيضا تأتي في اتجاه مجموعة مجرات العذارء التي تضم مجرة M87 الناشطة وهذا ما دفع ببعض علماء الفضاء إلى التخمين بأن معظم الاشعاعات الكونية الناشطة تأتي من ضاحية القلب الناشظ للمجرة M87 التي قد تحتوي على ثقب أسود كبيرة الكتلة .


©2003 Web Design by Deepeye Web Solutions