بحوث الفـلك

 

 الجاذبية Gravity

 يقال أن الفيزيائي الإنجليزي نيوتن جلس في حديقته في مساء أحد الأيام ولدى مراقبته لسقوط تفاحة من الشجرة إلى الأرض نظر إلى القمر وسأل نفسه لماذا لا يسقط القمر إلى الأرض بفعل الجاذبية كما فعلت التفاحة ، ثم أدرك نيوتن أن القمر ينجذب إلى الأرض وأن سرعته المدارية حول الأرض هي التي تمنعه من السقوط بحيث أن القوة النابذة ( الطاردة من المركز ) centrifugal force لدوران القمر حول الأرض توازن جاذبية الأرض .

 وهكذا تبقى القوة التي نسميها جاذبية أمرا محيرا لنا كما كانت محيرة للعالم الفيلسوف نيوتن واليوم نحن نعرف أن الجاذبية هي إحدى القوى الأربع الأساسية : القوة الكهرومغنطيسية ، القوة النووية الضعيفة ، والقوة النووية القوية ، ورغم أن الجاذبية هي الأضعف بين هذه القوى فإنها تنشط عبر مسافات عظيمة ، وتماما كما يفترض أن الجزيء الذي يحمل القوة الكهرومغنطيسية هو الفوتون فإن الجزيء المتصل بالجاذبية هو غرافيتون graviton .

 ويقول قانون الجاذبية الذي صاغه نيوتن بعد عشر سنين على مراقبته لسقوط التفاحة ما يلي : إن نقطتين فيزيائيتين ( A ) و ( B ) ذات الكتلة ( m ) و ( m1 ) وتفصل بينهما المسافة ( r ) تسببان قوة تجاذب على بعضهما البعض على طول الخط A B وقوة الجذب هذه متناسبة حسابيا مع كتلتي هاتين النقطتين ومتناسبة عكسيا مع تربيع المسافة القائمة بين النقطتين ووفقا لهذا القانون فإن كل الأجسام تتساقط إلى الأرض بالسرعة أو التسريع acceleration ذاته بغض النظر كتلتها .

 إذن يمكن تعريف الجاذبية بانها ببساطة قوة جذب تنشأ بين الأجسام بفعل كتلتها والجاذبية على الأرض ، فهي إذن قوة الجذب بين أي جسم في حقل جاذبية الأرض والأرض نفسها .

 وبقي قانون الجاذبية هذا قائما حتى سنة 1915 عندما صاغ البرت اينشتاين نظريته عن الجاذبيةوالتي تعرف بالنظرية العامة لنسبية ، هذه النظرية تقول بأن الجاذبية كانت نتيجة لانعطاف صياغة الزمان والمكان بفعل المادة ، وبالتالي وإلى جانب عدم إبطالها لنظرية نيوتن فإن هذه النظرية عملت على تعديل نظريته بحيث أصبحت أساسا لنظرية أخرى ، فعندما أدخل اينشتاين الاشعاع الكهرومغنطيسي إلى ميدان ميكانيكا الكم أصبح بالإمكان اقحام موضوع الجاذبية في نظرية إجمالية موحدة تحاول تفسير القوى الأساسية الاربع كقوة واحد موحدة .

 لكن هذا الأمر لم يحصل وقد حاول علماء فيزياء الجزئيات على مدى سنين عدة اكتشاف سبب عدم الخروج بهذه النظرية الموحدة وأحد الآراء الرئيسية في هذا المجال هو أن القوة الجاذبة والبعيدة الوصول للجاذبية ناتجة عن تبادل جزئيات خالية من الكتلة تسمى غرافيتون وهذا الرأي هو نتيجة للنجاحات التي حققتها نظرية الكم ولعمل العلماء الذين عملوا عليها لتكوين فكرة عن القوى الأساسية المذكورة بأنها نتيجة لتبادل جزئيات ( ناقلة ) أو ( حاملة ) مثل الفوتونات في حالة القوة الكهرومغنطيسية وكل ما نحتاج إليه إذن هو معرفة ما تفعله الغرافيتونات في حركتها عبر الزمان والمكان وكيفية تفاعلها مع جزئيات أخرى بحيث تصبح جميعها عاملة في حقل واحد موحد .

 ثم وفي الثمانينات من هذا القرن طرحت نظرية رياضية أخرى لشرح سلوك الجزئيات الأولية مثل الالكترونات ، ويؤمن الفيزيائيون اليوم أن هذا الشرح قد يفتح الباب امام نظرية كم صحيحة للجاذبية ، هذه النظرية التي تعرف بالنظرية الخيطية string theory تفترض أن الأجسام الأساسية في الكون ليست جزئيات على شكل نقاط بل هي أجسام خيطية ، هذه الأجسام تنوجد في الكون بعشرة أبعاد رغم أنه ولأسباب مجهولة لا يمكننا تعريف سوى أربعة أبعاد منها ثلاثة للمكان وواحد للزمان ، هذه الخيوط تخضع لتوتر هائل يبقيها متراصة بقوة .

 وما فأجأ فيزيائيو الجزئيات هو اكتشافهم أنه في المعادلات الرياضية التي تشتمل النظرية الخيطية عليها ، تعد الجاذبية قوة لا يمكن الاستغناء عنها وأن الغرافيتون هو جزيء لا يمكن الاستغناء عنه أيضا ، وفي سنة 1984 عمل عالمان من الذين يدعمون هذه النظرية وهما ، مايكل غرين وجون شوارز على التقدم خطوة أخرى ومزج النظرية الخيطية بمفهوم يسمى التماثلية القصوى supersymmetry حيث أظهرا أن الخيوط التماثلية القصوى أو الخيوط الفائقة ، تقودنا إلى نظرية تتطلب وجود الجاذبية بدون مواجهة المشاكل الرياضية الشائكة التي واجهت نظرية الكم في تفسير الجاذبية وفي غصون سنة اكتشف العلماء في جامعة برنسون في الولايات المتحدة أن نظرية الخيوط الفائقة يمكن أن توحد قوة الجاذبية بالقوى الأساسية الثلاث الأخرى .

 قد تكون هذه البداية ومع ذلك يظن بعض الفيزيائيين أن نظرية الخيوط الفائقة قد تكون هي النظرية النهائية لكل شيء بحيث تفسر كل نشاطات الكون في إطار واحد وهي بعيدة جدا عن نظرية نيوتن .


©2003 Web Design by Deepeye Web Solutions