بحوث الامراض

 

 الحامض النووي DNA

 أحد الأشياء التي حيرت العالم البريطاني تشارلز داروين ( 1809 - 1882 ) وسببت له الإحباط خلال تأليفه لكتابه ( أصل الأنواع ) الذي وصف فيه نظرية النشؤ والارتقاء هو أنه لم يكن قادرا على تفسير عملية الوراثة : أي كيف يرث الجنين خصائص ولديه ومع ذلك فإن الدليل إلى هذا اللغز كان موجودا في ذلك الزمن بفضل أعمال عالم البيولوجيا النمساوي غريغور مندل ( 1822 - 1884 ) الذي اقترح بأن كل الخصائص الموجودة عند الأنواع التي تتناسل بالجنس تتم وراثتها بما سماه ( عناصر ) يساهم لها كل من الوالدين للذرية .

 ولقد سميت هذه العناصر لاحقا بالجينات أو المورثات genes ، ومن خلال جهود الكثير من العلماء أصبح الآن معروفا أن هذه الجينات هي جزء من الكروموزومات أو الصبغات chromosomes الموجودة في نواة الخلية الحية .

 وفي سنة 1944 أثبت ثلاثة علماء أميركيون بدون شك أن المادة التي تنقل العناصر الوراثية هي ما يعرف بالحامض النووي deoxy - ribonucleic acid DNA المتواجد في كل الخلايا مع حمض نووي آخر هو حم  ribonucleic acid RNA الذي يلعب دورا في نقل حامض DNA إلى البروتينات .

 لكن لم يتم الكشف عن بنية الحامض النووي DNA قبل سنة 1953 على أيدي عالم البيولوجيا الجزيئية البريطاني فرانسيس كريك والكيميائي الأميركي جيمس واتسون وذلك في مقال نشر في ابريل سنة 1953 يصف البنية الحقيقة لجزيئية DNA العملاقة وهي جزيئية تحتوي بشكل مرمز على المعلومات التي نحتاج إليها لبناء وتوجه وصيانة أي عضو حي .

 ولقد ساعد الفيزيائي النيوزيلاندي موريس ويلكنز وزميله البريطاني روزالند فرانكلين الأبحاث الخاصة بحامض DNA باستعمال أساليب التبلور بواسطة أشعة اكس لفحص تكوين الذرات في الجزيئية وقد طبق العالمان الأولان كريك وواتسون هذا الأسلوب في تفحص الجزيئيات الكبيرة والمعقدة الموجودة في الخلايا الحية وتمكنا من إظهار أن حامض DNA له بنية لولبية مزدوجة تشبه السلم اللولبي .

 وجزيئية حامض DNA مكونة من سلسلتين فرعيتين من النيوكلوتيد nucleotide ( مركب عضوي ) بحيث يضم كل نيوكليوتيد المادة القاعدية base بيوراين purine أو بايريميدين pyrimidine هذه المواد القاعدية تتصل ببعضها البعض لتشكيل أزواج قاعدية تصل بين خيطين من جزيئية DNA لتشكيل اللولب المزدوج وتشكيل هذه الأزواج هو الذي يؤمن انتقال السلسلة القاعدية من جيل إلى آخر .

 ومجموعات القواعد الثلاث تعرف بـ الراموزيات ( الوحدات الوراثية الأساسية ) codons وفيها يتم تخزين المعلومات الوراثية التي هي نتاج أحد الحوامض الأمينية والوحدة الفرعية لجزيئية البروتين ، والمعلومات المخزنة في كل راموز تنقل بواسط الجزيئيات الناقلة لحمض RNA ويتم تحويلها إلى حوامض أمينية في الجسيمات الريباسية ribosomes وحشوة الخلية cytoplasm وهذه هي الأليات الصانعة للبروتنيات في الخلية ، وتسلسل الراموزيات أو الوحدات الوراثية الأساسية هو الذي يحدد النظام الدقيق الذي تتصل فيه الحوامض الأمينية خلال عملية التحويل المذكورة سابقا وبالتالي تحدد نوع البروتين الذي يتم انتاجه ، وبما أن البروتينات هي البنى الأساسية لكل مادة حية فهي أيضا أنزيمات تضبط كل جوانب الأيض أو تحويل الطعام إلى مادة حية ، وهكذا فإن الرمز الوراثي مسؤول عن بناء وضبط كامل العضو الحي .

 وجزيئيات حامض DNA في نواة الخلية تحتوي ما يصل إلى عشرة ملايين ذرة في لولبين ، وعندما تنقسم النواة يكون على جزيئية DNA أو الحامض النووي DNA أن تغزل حول نفسها بسرعة فائقة ، عدة مئات من الدورات في الثانية لتفكيك اللولبين وتحصل قراءة ونسخ الرسالة الوراثية في وقت قصير للغاية بحيث تجمع البروتنيات انطلاقا من الحوامض الأمينية في غضون ثوان قليلة .

 هذا اللغز المتعلق بتفكك حامض DNA النووي والذي أدى حله إلى إعطاء كريك رواتسون جائزة نوبل في الفيزيولوجيا أو علم الوظائف الجسدية في سنة 1962 أرسى أسس الهندسة الوراثية التي أطلقت ثورة في عالم البيولوجيا والطب اليوم .


©2003 Web Design by Deepeye Web Solutions